التاريخ: الموافق الاربعاء 30/09/2020 الساعة: 12:30 بتوقيت القدس
أبو جندل".. قائد جنين الذي تمرد على التنسيق الأمني " فيديو"
02/04/2016 [ 17:44 ]
تاريخ اضافة الخبر:

وكالات - جنين

تطل ذكرى معركة الصمود في مخيم جنين الثائر، وتعود معها ذكريات رددها جيل بعد جيل تسأل عن ذلك الفدائي الأصيل الشامخ بثباته على قيمه ومبادئه، أمام تساقط خيارات المتخاذلين.

ذابت جدر وقلاع الخاسرين، وبقيت قلعة المخيم صامدة يروي أهلها سيرة المقاوم البطل الذي انتصر بدمه على سيف الطغاة، ذاك الدم المتدفق في أزقة المخيم وشرايين الطفل الذي ما زال متمردًا على شعارات الضعفاء والمترددين.

وطلّ من وسط الضعف والجراح رجل جديد اسمه أبو جندل، أجمع المقاومون من كل الفصائل على محبته، وسلموا له لواء القيادة في معركة المخيم، فقد كان رجلًا في زمن أصبحت فيه الأوطان مغنمًا للثروات والخيانة فيه "وجه نظر!".

"أبو جندل"

هي كنية الشهيد البطل يوسف ريحان "أبو محمد"، أحد قادة مخيم جنين ، وقائد في جهاز "الأمن الوطني"، لكنه كان صاحب رؤية لمفهوم أمن الوطن الذي لا يمكن أن يتحقق إلّا بمقاومة الاحتلال لا بالتعاون والتنسيق الأمني معه.

ولد الشهيد في قرية يعبد عام1965م، انضم إلى صفوف الثورة في الخارج وعاد مع قوات الأمن إلى الضفة المحتلة عام 1996م، ليعمل مدربًا لقوات الأمن الوطني فيها.

وبزغ نجمه في انتفاضة النفق التي اندلعت عام 1996م، قبل أن يطارد بعد قتله جنديًا (إسرائيليًا) على أحد الحوجز في بداية الانتفاضة الثانية، وتوجه بعدها إلى مدينة جنين التي أصحبت معقلًا للمقاومة الفلسطينية بالضفة.. فجرت فيه مشاهد الألم والمعاناة التي يتعرض لها أبناء شعبه أحاسيس الفداء مرة أخرى، وذكرته بمعارك بيروت التي خاضها في الخارج ومشاركته بانتصارات الجنوب، وحثت فيه معاني المقاومة من جديد.

ورأى بعينه ذلك المفاوض الذي تجاوزت تنازلاته كل معقول مقابل ثمن بخس، فنظر إلى المرآة ذات مساء فوجد فيها رجلا، وحدث نفسه قائلًا "أيباع الوطن وأنا حي؟!، فأقسم معاهدًا أن يكون حاميًا له.

امتشق البندقية سائرًا إلى إحدى الحواجز في بيت لحم التي استلذ فيها جنود الاحتلال إهانة أبناء شعبه، وأقسم أن ينتقم من ذاك الجندي الذي قتل شابا وهو ينتظر عروسه منذ الصباح على ذاك الحاجز، ثم ذهب وألقى بالأخيرة أرضًا وسط قهقهة زملائه الجنود.

ذلك المشهد لم يرق له، فأطلق النار بكثافة على الجندي، ليجعله عبرة لكل جنود الاحتلال، وهنا كانت البداية لمرحلة من المطاردة للبطل المغرور، وتبدأ مسيرة العمليات التي اعترف الاحتلال بمسئولية الشهيد أبو جندل عن مقتل خمسين من جنوده فيها.

ولم يغب عن ذاكرة الفلسطينيين من قبل صراخ أبي جندل الذي وقف يومًا على حاجز (إسرائيلي)، متوعدًا جنود الاحتلال بأن يطلق عليهم مئة رصاصة إن فكر أحدهم بإطلاق طلقة واحدة على أطفال المخيم.

وقد أثار ذاك المشهد اندهاش العدو حول ذلك الضابط الجديد الذي أعلن ثورته على منظومة الخنوع والقبول بما يمليه (الإسرائيلي)، وأظهر فلسطينيًا جديدًا غير ذلك الذي صنعته "إسرائيل" ليكون حاميًا لها وسندًا لحدودها.

ولجأ الشهيد إلى مخيم جنين الذي شهد أعنف المعارك التي دارت بين قوات الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية ، وقد استمرت المعركة قرابة 15 يومًاـ استشهد خلالها 55 مواطنا من المخيم، فيما أوقع أبطال المقاومة عشرات القتلى في صفوف الجيش (الإسرائيلي) الذي اعترف حينها بمقتل 23 جنديا.

قائد في المعركة

"أبو مصعب" أحد الذين عايشوا الشهيد أبو جندل وكانت له مواقف زاخرة معه، يروي ، بدايات التحول لهذا البطل الذي قدم إلى مخيم جنين خالعًا عباءة التنسيق الأمني مع الاحتلال ومعاهدًا المقاومين أن يكون واحدًا منهم.

ويقول "أبو مصعب" إن القائد أبو جندل التقى مع قادة المقاومة في المخيم وفي مقدمتهم الشيخ جمال أبو الهيجا والشهيد القائد محمود حلوة ومحمود طوالبة، وتعاهد معهم على الاستمرار في المقاومة والدفاع عن جنين.

قاد الشهيد رفقة حلوة وطوالبة وقيس عدوان والقائد يوسف السركجي أشرس معركة عرفتها الضفة المحتلة إبان الاجتياح "الإسرائيلي" للضفة المحتلة.

ويؤكد أبو مصعب أن الشهيد كان متقنًا لفن ضرب قذائف الأربي جي وصناعة العبوات الناسفة، إضافة إلى قدرته على التدريب والإعداد والتخطيط في توزيع المجموعات لحماية الثغرات في مخيم جنين.

وينوه أبو مصعب إلى أن المعركة استمرت إلى آخر لحظة، غير أن قلة العتاد ونفاد الرصاص من المقاومين، أضعف من قدرتهم على مواصلة التصدي للهجوم "الإسرائيلي".

وقد استمر أبو جندل لآخر لحظة مع عدد من المقاومين في المواجهة، حتى حاصره الاحتلال في إحدى المنازل داخل المخيم وقصف المنزل بطائرات الأباتشي، قبل أن تعدمه رميًا بالرصاص.

ويقول أبو مصعب وقد فضل عدم الكشف عن اسمه خشية ملاحقة أمن السلطة، إن أبو جندل واجه طنعات من ظهره من قيادات بأمن السلطة أقسم أن ينتقم منها، لدورها في التحريض على المقاومة في المخيم.

ويضيف "سياسة السلطة القائمة على تشويه المقاومين ومساعدة الاحتلال في تصفيتهم وضرب البنية التحتية لهم ما زالت مستمرة".

ويبرز المخيم للواجهة من جديد بعد 12 عامًا من المجزرة، حيث يعترف الاحتلال بصعوبة الاعتقالات فيه، وترجلت فيه قيادات المقاومة من جديد كان آخرهم الشهيد القائد حمزة أبو الهيجا نجل قائد معركة جنين بالضفة القائد الأسير جمال أبو الهيجا.

كأنه البارحة

أم جندل تعود بالذاكرة لتتحدث عن زوجها الحنون وكأنه قد رحل البارحة، لم يغب عن خاطرها يومًا جمال روحه وخفة ظله، وحنان قلبه على أطفاله وأبناء شعبه، فضلًا عن شجاعته وصرامته في الحق.

ولم تنس أم جندل آخر قبلة طبعها على وجنتها، تاركًا أبناءها  والوصية أن تربيهم على ذات الدرب، لا يقبلون بالدنية في دينهم ودنياهم. وتذكر أم جندل خلال حديثها ، أن آخر اتصال تم بينهما في اليوم الثالث عشر لاجتياح المخيم، حيث جاء إلى البيت مودعًا أطفاله التسعة، كان أكبرهم محمد الملقب بـ"جندل"، الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره آنذاك.

ويقول محمد إن والده كان يتعامل معهم على أنهم رجال كبار، ويربيهم على حب الوطن والشجاعة في مواجهة الاحتلال.

ويمضي محمد مضيفا ، إن والده أوصاه بإخوانه خيرًا، وعلمّه أن الأوطان لا تباع ولا تشترى وأنها بغلاة الروح بل وأكثر. وقد جسدت تضحيات هذا القائد البطل قصة ترددها الأجيال يومًا بعد يوم، حتى بات لقب "أبو جندل" يحمله العشرات من الشبان الصاعدين.

بقيت صورته بيضاء ناصعة،

رغم ما تعرضت له من تشويه واجتزاء في أعمال درامية لم تظهر أبو جندل على حقيقته. دراما مشوهة وقد جسد مسلسل سوري أردني اسمه "مسلسل الاجتياح"، سيرة القائد أبو جندل ويروي تفاصيل الاجتياح "الإسرائيلي" للضفة المحتلة عام 2002م، وقصة مجزرة جنين.

وتؤكد زوجة "أبو جندل"، أن الصورة لم تكن مكتملة في هذا المسلسل بل وساهم في تشويه شيء من صورته الحقيقة.

وتقول إن زوجها لم يستخدم السجائر في حياته مطلقًا، إضافة إلى ما كان يتمتع به من هدوء أعصاب، على عكس ما أظهره المسلسل.

ونوهت إلى أن آخر اتصال كان بينها وبين زوجها، في الثالث عشر من ايام المخيم، ولم تتلق بعدها منه أي اتصال، حيث انقطعت شبكة الاتصالات في المخيم.  

ويؤكد "أبو مصعب"، أن مخيم جنين شكّل حالة من الصمود لجميع المقاومين، وكان الجميع فيه كخلية نحل، حيث برز فيه دور جميع القادة على خط متساوٍ، على عكس ما حاول المسلسل الانتقاص من دور بعض الفصائل المقاومة.

وقال إن أبناء الأجهزة الأمنية الذين شاركوا في التصدي للاجتياح وعلى رأسهم أبو جندل، خرجوا بملء ارادتهم لقناعتهم بضرورة مواجهة الاحتلال، ولم يكن نابعًا من قرارات عليا من السلطة.

وقد شكّل مخيم جنين حالة فلسطينية فريدة في الصمود والتحدي، جعل منه مقرًا للمطاردين والمطلوبين  بمدن الضفة المحتلة كافة، وخرّج العشرات من القادة الأبطال أمثال المهندس قيس عدوان قائد كتائب القسام بالضفة المحتلة، واحتضن محمود أبو هنود قائد القسام إضافة لسجل العشرات من المطارين على مستوى الضفة.

>> التعليقات
لا يوجد تعليقات
>> شارك برأيك
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
الاكثر قراءة
الاكثر تعليق