التاريخ: الموافق الجمعة 20/09/2019 الساعة: 22:48 بتوقيت القدس
فقه المراجعة عند الجماعات العقائدية
الإسلام السياسي نموذجا
21/10/2016 [ 20:12 ]
تاريخ اضافة الخبر:
إبراهيم أبراش

اعداد: أ.د. إبراهيم أبراش

مقدمة 
المراجعات الفقهية والفكرية التي تظهر بين الفينة والأخرى داخل جماعات الإسلام السياسي أو بعض قياداتها تستحق التوقف عندها ودراستها بتمعن ، نظرا لأن القائمين بالمراجعة شخصيات قيادية لها وزنها داخل الجماعات ، ولأن هذه الجماعات شغلت خلال العقود الثلاثة الاخيرة حيزا كبيرا من المشهد السياسي العربي والإسلامي سواء على مستوى التنظير ومحاولة ملء فراغ تراجع الأيديولوجيات الشمولية كالأممية والقومية ، أو على مستوى الممارسة كمعارضة أو كأحزاب سلطة ، وهي ممارسة اتسمت بالعنف والدموية بشكل غير مسبوق في التاريخ العربي الحديث خصوصا خلال سنوات ما يسمى بالربيع العربي ، كما تركت بصماتها المدمرة اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا على الدول والمجتمعات الوطنية وعلى القضية الفلسطينية . 
في الوضع الطبيعي فإن المراجعات الحزبية أو النقد الذاتي حالة صحية وجزء من الحياة السياسية للأحزاب والجماعات السياسية وللأيديولوجيات والأفكار ، من منطلق أن المعرفة الإنسانية بشكل عام معرفة نسبية ، والمطلق الوحيد أو المقدس هو الله والكتب السماوية المُنزَلة ، وحتى على هذا المستوى هي مقدسة ولا تخضع للمراجعة بالنسبة لمعتنقيها فقط ، كما أن التطور سنة من سنن الحياة .
لكن بالنسبة للجماعات العقائدية كجماعات الإسلام السياسي فالأمر مختلف ليس لأنها جماعات ذات مرجعية دينية بل لأنها تضفي على نفسها وأشخاصها واجتهاداتها طابع القدسية مما يجعل المراجعات أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا لأنه يعتبر مسا بالمقدس ، ليس المقدس الحقيقي المرتبط بالقرآن والسنة بل اجتهادات وتأويلات وأشخاص تم إضفاء طابع القدسية عليها . 
كما سنبحث في خصوصية الديني والوطني في التجربة الفلسطينية ومدى تأثير المراجعات التي تمت عند جماعات الإسلام السياسي وخصوصا عند جماعة الإخوان المسلمين على حركة حماس ، وهل جرت مراجعات جادة داخل حركة حماس ؟ وهل أن خطاب خالد مشعل يوم السبت 26 سبتمبر 2016 في الدوحة يندرج في إطار المراجعات .
سنقارب الموضوع في ثلاثة محاور : يتناول الأول مقاربة لمفهوم المراجعات عند الجماعات العقائدية الأممية وأهمها في التاريخ المعاصر ، ويتناول الثاني المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي ، والمحور الثالث مراجعات حركة حماس الفلسطينية وتداعيات مراجعات الجماعات الإسلامية على القضية الفلسطينية .


المحور الأول 
مقاربة لمفهوم المراجعات 
مراجعة المواقف والتوجهات السياسية والأيديولوجية للأحزاب والحركات العقائدية وما يُبنى عليها من ممارسات أمر محمود ومطلوب في الحياة السياسية بشكل عام ، فكيف إن أدت هذه المواقف والممارسات لنتائج كارثية على الشعب والقضية أو العقيدة بما في ذلك العقيدة الدينية نفسها التي يدافع عنها الحزب أو الجماعة العقائدية . لقد أكدت التجارب التاريخية و المعاصرة أيضا أن العمر السياسي للأحزاب والنظم الدوغماتية والدينية المغلقة قصير ، وكلما تأخرت عملية المراجعة والتحول عند هذه الأحزاب والأنظمة كلما كان سقوطها أكثر حتمية وأكثر دموية . 
لا نقصد بالمراجعات في سياقنا هذا عملية التقييم للسلوك والمواقف التي تقوم بها الاحزاب أو أية مؤسسة وحتى الأشخاص بين فترة وأخرى لمعرفة أسباب الخلل والتقصير لتجاوزها مستقبلا ، كما لا نقصد بالمراجعة هنا النقد الذاتي أو المراجعة الروتينية للمواقف والسلوكيات ، فهذه كلها أمور تدخل في صلب العمل السياسي ومن طبيعة الحياة بشكل عام . 
تعريفنا الإجرائي للمراجعات أنها العملية التي تقوم بمقتضاها الأحزاب والجماعات العقائدية وخصوصا الإسلامية بمراجعات كلية أو جزئية لاجتهادات أو سلوكيات ، وتكون الأمور التي تم التراجع عنها من الثوابت والأساسيات في فكر ومنهج هذه الجماعات ، كما أن سياق المراجعات يأتي بعد سنوات من ممارسة العنف وتكفير أو تخطيء النظام والمجتمع أحيانا ومعاداة الدولة الوطنية وتشريعاتها الوضعية وعدم الاعتراف بها ، وغالبا ما تأتي المراجعات بعد أزمة عميقة تمر بها هذه الجماعات . 
فالمراجعة بهذا المعنى تعني إعادة نظر جذرية فيما كان يُعتبر بالنسبة للجماعة مسلمات لا مجال للشك فيها ، وإدراجها في سياق الاجتهادات التي تقبل الخطأ والصواب أو اعتبارها من الاخطاء التي يجب التخلي عنها نهائيا . والمراجعة لا تعني الرجوع عن القواعد الثابتة في العقيدة التي لا يُختلف عليها أو يُشكَك بها ، بل مراجعة اجتهادات وتفسيرات كانت الجماعة تعتبرها مسلمات . فالمراجعة تنصب على الانتاج البشري من فكر وسلوك وليس على الكتاب السماوي – القرآن - أو أحاديث الرسول ونهجه ، حيث كل ما هو خارج هذين المصدرين غير مقدس وغير مُلزم ويمكن الرجوع عنه . 
من خلال قراءة لأهم المراجعات التي تركت صدى كبيرا نلاحظ أنها تخص الجماعات العقائدية أو الأصولية ، سواء كانت أصولية دينية كالأصولية الإسلامية أو أصولية علمانية ، فالأصولية ليست سمة أو مرض يصيب الحركات الدينية فقط بل يتعداها إلى الأيديولوجيات الدنيوية أو الوضعية كالايدولوجيا الماركسية وبعض الأحزاب القومية . 
إن ما يجعل المراجعات تؤدي لزعزعة الجماعات العقائدية وإحداث أزمات عميقة داخلها قد تؤدي إلى انهيارها أو تفككها ، هو انغلاق هذه الجماعات لعقود على نفسها ، وإضفاء طابع القدسية على تنظيراتها ومنظريها بحيث لا تُفسح المجال لأن تجدد نفسها ومقولاتها من خلال التجربة والواقع وتستمر بالمكابرة والعناد وإدارة الظهر للفجوة الكبيرة بين مجريات الواقع ومتطلبات الحياة اليومية من جانب وتنظيراتها ومنظريها من جانب آخر . 
إن كان مصطلح المراجعات الفكرية ارتبط في عصرنا الراهن بالجماعات الأصولية الإسلامية –الاممية الإسلامية - فقد سبقها في ذلك مراجعات داخل الأممية الشيوعية نتيجة عوامل متعددة ، إما حزبية ذاتية مرتبطة بتطور الوعي السياسي والفكري و نتيجة تدافع الأجيال ، أو نتيجة تلمس خصوصيات اجتماعية (قومية) تتطلب خصوصية في تطبيق النظرية ، أو نتيجة هزائم وعجز في الممارسة ، أو تمرد الفروع على المرجعية الأم في موسكو ، وفي حينها لم تكن تسمى مراجعات بل كان الماركسيون المتمسكون بالأصول الماركسية اللينينية ينعتونها بالتحريفية . 
في هذا السياق نستحضر مراجعات الحزب الشيوعي الصيني بزعامة ماوتسي تونغ لأسس الماركسية اللينينية وخصوصا من حيث خصوصية المجتمع الصيني وتركيبته الطبقية بما لا يسمح بتطبيق الماركسية بحذافيرها ، وقد أدت اجتهادات ماوتس تونغ لظهور الماركسية الماوية ، والمراجعات التي قام بها الحزب الشيوعي المجري –هنغاريا- عام 1956 و التي أدت لثورة تم سحقها بتدخل عسكري مباشر من موسكو ، نفس الأمر جرى في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 أو ما سمي (ربيع براغ) وتم سحقها أيضا بتدخل الجيش الاحمر . 
في بداية السبعينيات برزت ظاهرة الأورو شيوعية حيث تمت مراجعة جذرية عند الأحزاب الشيوعية في اسبانيا وفرنسا وايطاليا بحيث جرت عملية توطين أو قومنة هذه الأحزاب وتخلت عن أهم مرتكزات النظرية الشيوعية حول السلطة والحكم ، كالوصول إلى السلطة عن طريق الثورة وديكتاتورية الطبقة العاملة ، الأمر الذي مكنها من المشاركة في الحياة السياسية الديمقراطية . 
في منتصف الثمانينيات ومع استمرار أزمة الشيوعية على المستوى الفكري ومستوى الممارسة والحكم ، طرقت المراجعات أبواب موسكو نفسها والحزب الشيوعي السوفييتي ، وكان ذلك على يد غورباتشوف عام 1985 بعد وصوله للسلطة وقيادة الحزب الشيوعي . فقد أعلن بصراحة عن حاجة الاتحاد السوفيتي لإعادة البناء أو "البيروسترويكا" على المستوى الاقتصادي والشفافية أو "الجلاسنوست" على المستوى السياسي والعام . أدى العمل بهذين المبدأين إلى مراجعات شمولية بدلا من أن تصحح الأوضاع الاقتصادية والسياسية أدت في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه المعسكر الاشتراكي والايدولوجيا الشيوعية بشكل عام 1991 .
في العالم العربي هناك تجربة حركة القوميين العرب حيث حدث التحول والانتقال من القومية المثالية إلى القومية الاشتراكية ثم مراجعة شمولية امتدت من 1964 إلى 1968 أدت لتحولها إلى قوى وأحزاب وطنية ، وقد صاحب ذلك مراجعات فكرية عميقة . ومراجعات الفلسطينيين الذين كانوا منتمين لأحزاب قومية أو يسارية أو دينية قبل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ، حيث راجع هؤلاء مواقفهم من الوطنية الفلسطينية بعد هزيمة حزيران 1967 ، وقرروا هجر تنظيماتهم والانتماء لمنظمة التحرير فرادي أو دخول أحزابهم لمنظمة التحرير في إطار المشروع الوطني الفلسطيني .
و في المغرب جرت مراجعات منتصف الثمانينيات عند قوى اليسار. حيث انتقلت هذه الأحزاب ، كحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحزب الشيوعي – التقدم والاشتراكية لاحقا - ومنظمتا إلى الأمام و 23 مارس ، من مرحلة المعاداة المطلقة للنظام وإشهار السلاح ضده لإسقاطه وإقامة نظام سياسي بديل يتبنى المنهج الماركسي ، إلى مرحلة الاندماج والمشاركة في النظام السياسي في إطار مصالحة تاريخية مع المؤسسة الملكية والنهج الديمقراطي ، وقد آلت الأمور إلى أن يشكِل حزب الاتحاد الاشتراكي الحكومة وصيرورة أمينه العام عبد الرحمن اليوسفي من محكوم بالإعدام يعيش في المنفي في فرنسا إلى رئاسة الوزراء ، بعد الانتخابات البرلمانية عام 1998 وتشكيل حكومة التوافق الوطني . 

المحور الثاني
المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي

تصريحات راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي في المؤتمر العام العاشر للحزب 19-21 مايو 2016 وتصريحات لاحقة له لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية قال فيها " إن حركة النهضة تطورت من حركة إسلامية شمولية إلى حزب مدني وطني متصالح مع الدولة والمجتمع " ، وتأكيده على قطع الصلة التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين وبالإيديولوجيات الشمولية والفصل بين الدعوي والسياسي . هذه التصريحات فتحت مجددا موضوع المراجعات عند الجماعات الأصولية وتأثيرها على مستقبل الظاهرة المسماة الإسلام السياسي وعلاقتها بالدولة الوطنية والمجتمع بشكل عام . 
مع أن التجربة الشخصية لراشد الغنوشي المرتبطة بحياته في المنفى في فرنسا ولندن لعبت دورا في صقل أفكاره ومرونتها ،وما ساعد على ذلك أيضا خصوصية الإسلام السياسي في تونس وهي خصوصية مستمدة من طبيعة المجتمع التونسي والثقافة التي رسخت خلال عقود ما بعد الاستقلال ، إلا أن هذه المواقف لحزب النهضة وللغنوشي تحديدا تندرج في إطار ما يمكن أن نسميه فقه المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي ، وهي ظاهرة ليست جديدة ، ولكن هذه المرة مختلفة حيث جاءت بعد تراجع شعبية جماعات الإسلام السياسي وفشل تجربتها في الحكم في بعض الدول ، وتحميلها مسؤولية فوضى الربيع العربي وما صاحبها من مظاهر عنف ، وانكشاف علاقتهم بالغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية . 
يمكن إرجاع أولى الاجتهادات التي يمكن إدراجها في سياق المراجعات المعاصرة عند المرجعيات الدينية وداخل جماعات الإسلام السياسي إلى أحد علماء الأزهر على عبد الرازق ، الذي اعتبر أن نظام الخلافة نظام دنيوي وليس ديني ، وقد تعرض في حينه لانتقادات كثيرة وأصدر الأزهر بينانا قال فيه إن اقوال على عبد الرزاق لا تمثل الأزهر . 
ما بين عامي 1997 و 1999 أقدمت بعض قيادات الجماعة الإسلامية المصرية أثناء وجودها في السجن ، على مراجعات أثارت كثيرا من الجدل داخل الجماعة وخارجها ، وهي مراجعة اقتصرت على التراجع عن نهج العنف والأسس الفكرية الفقهية التي يستند إليها . ومع أن جدلا ثار لاحقا حول مصداقية وجدية مراجعات السجون إلا أننا نعتقد أن أهم قيادات الجماعة الإسلامية كانت صادقة في مراجعاتها ومنهم ناجح إبراهيم . وبعد سقوط حكم محمد مرسي وبداية محاكمة قادة الإخوان في السجون تجري مجددا مراجعات داخل جماعة الإخوان وإن كان البعض يشكك بجدواها ومصداقيتها حيث ينظرون لها كمناورة للخروج من السجن أو كممارسة باطنية تميز بها الإخوان . 
في نهاية السبعينيات أثار حسن الترابي في السودان ضجة كبيرة بمواقفه التي اعتبرت مراجعات خطيرة حتى إن بعض علماء السودان طالبوا بـ "استتابته" وبعضهم الآخر قال إنه تأثر بأفكار الخميني حيث كانت الثورة الإيرانية في بداياتها . مست مراجعات الترابي جوانب متعددة ، كالموقف من المرأة وكانت له رؤية متقدمة تجاه المرأة ،وعلاقة الدعوي بالسياسة ، حيث قال بأولوية الدولة على المجتمع ، أيضا حول الجهاد والعلاقة مع اصحاب الديانات الأخرى ، ومع أن الترابي انشق عن جماعة الإخوان المسلمين مبكرا وشكل " حزب المؤتمر الشعبي السوداني " إلا أنه استمر في مراجعاته المثيرة للجدل حتى وفاته . 
وبالنسبة لتنظيم القاعدة العنوان الأبرز للإسلام السياسي المتشدد ، فقد مارست القاعدة نقدا عنيفا لجماعة الإخوان المسلمين وأخذت عليها نهجها البراجماتي المفرط بل وصفت الجماعة بأنها "مرجئة العصر " ، إلا أن تنظيم القاعدة لم ينج بدوره من مراجعات من داخله بدءا من عام 2007 وكان اشهرها مراجعات سيد إمام الشريف المشهور بالدكتور فضل و "ومفتي المجاهدين في العالم " كما اطلق عليه تنظيم الجهاد ، وقد دون مراجعاته في ثلاثة كتب ، أولها "وثيقة ترشيد العمل الجهادي " وثانيها "التعرية"وآخرها " الصراع في أفغانستان " ، وأهم ما جاء مراجعاته : الدعوة لترشيد العمل الجهادى فى مصر والعالم ، كما استنكر ظهور صور مستحدثة من القتل والقتال باسم الجهاد انطوت على مخالفات شرعية ، ويرى أن الجهاد في الإسلام فريضة مستمرة وباقية ، لكن (الجهاديين) مارسوا أخطاء عديدة ، وصلت إلي حد المفاسد .كما قال " إن سفك الدماء وإتلاف الأموال بغير حق ، من أكثر الأشياء التي تجلب سخط الرب " . بالإضافة إلى مراجعات الأردني أبي محمد المقدسي ، في كتابه "وقفات مع ثمرات الجهاد " و رسالته " مناصرة ومناصحة " الموجهة لأبي مصعب الزرقاوي قبل وفاته سنة 2006 . 
وفي ليبيا حدثت مراجعات عند الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة ، وقام سيف الإسلام القذافي بدور كبير من خلال حواراته مع قادة الجماعة في السجون اللبيبة استمرت لعامين 2007-2009 ، ووردت المراجعات في وثيقة موسومة بـعنوان " دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس ” . 
وفي المغرب حدثت نقلة نوعية عند حزب العدالة والتنمية بعد فوزه بالانتخابات التشريعية لأول مرة 2011 حيث بدى واضحا توطينه للايدولوجيا الدينية لصالح الوطنية المغربية و(الإسلام المغربي) . وسبق ذلك مراجعات داخل حركة الشبيبة الإسلامية المغربية التي كانت تميل للعنف وأدت المراجعات إلى ظهور حركة التوحيد والإصلاح عام 1996 ، ومن أبرز قادتها الدكتور أحمد الريسوني الذي وثَّق مراجعات حركته في أحد كتبه حيث يقول في مقدمة الكتاب إن " الفقه الإسلامي عموما هو اجتهاد بشري ، فإذا كان الوحي معصوما ؛ فإن فهمه والاستنباط منه ليس عملا معصوما " . 
وفي الأردن أعلن فرع جماعة الإخوان المسلمين في يناير 2016 عن انفصاله عن جماعة الإخوان في مصر مؤكدا أن ما يربط الجماعة في الاردن ببقية فروع الإخوان مجرد تنسيق وليس علاقة تنظيمية ، كما يشوب التباس علاقة حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن بجماعة الإخوان المسلمين . 
أن تراجع القوى السياسية مواقفها وأيديولوجياتها لا يعني التراجع والتخلي عن القيم والأهداف والمصالح الوطنية أو التخلى عن العقيدة الإسلامية ، بل مراجعة مواقف وأيديولوجيات مؤسَسة على فهم خاطي للمصلحة الوطنية أو للدين أو لهما معا ، فالمراجعة في هذه الحالة هي عملية تراجع عن شطط في التفكير وتقصير في الفهم والإدراك أديا لأخطاء في الممارسة ، والمراجعة تعني التصالح مع الشعب ومع الوطن والوطنية . 
ولكن وحتى تكون المراجعة حقيقية وليس مجرد مناورة للخروج من مأزق أو الانحناء للعاصفة حتى تمر ، يجب أن تكون مراجعة جذرية للفكر والأيديولوجيا ومراجعة للسلوك والممارسة في نفس الوقت ، كما يجب أن تؤسَس المراجعة على اعتراف حقيقي بالخطأ واستعداد لتصحيحه وتَحَمُّل نتائج ذلك ، حيث لكل مراجعة ثمن يجب أن يُدفع ، وأن يُدفع اليوم بخسائر أقل أفضل من أن يُدفع مستقبلا بخسائر أكثر فداحة حزبيا ووطنيا وقد يصل الأمر لإخراج الحزب أو الحركة السياسية من المشهد السياسي موسوما بالخيانة . لذا فمن الافضل أن يُدفع الثمن اليوم للشريك الوطني أفضل من أن يُدفع غدا لأطراف خارجية .
إن تغيير السياسات على أرض الواقع والتخلي عن حالة الاستعلاء على الوطن والقوى الوطنية والاستعداد للانخراط في الحالة الوطنية في إطار شراكة لا تعطي تميزا على أساس احتكار الحقيقة الدينية ... هو المحك للحكم على مدى مصداقية خطاب المراجعة والنقد الذاتي . كما أن المراجعة والنقد الذاتي لا يُسقطا المسؤولية ولا يمنحا شهادة حسن سير وسلوك للمراجعين تؤهلهم لأن يستمروا في السلطة إن كانوا يتولونها أو يستلموا سدة الحكم وقيادة النظام السياسي مباشرة إن كانوا في المعارضة ، بل يجب أن يمروا بمرحلة من إعادة التأهيل واختبار المصداقية ، حتى لا يصبح الوطن والدين حقل تجارب لكل من هب ودب .
من خلال ما سبق واستقراء كل حالات المراجعة عند جماعات الإسلام السياسي نلاحظ بأن المراجعات لا تمس المرجعية الدينية بحد ذاتها بل هي مراجعة لاجتهادات وتفسيرات في بعض القضايا الفقهية أدت لدخول الجماعة المعنية في أزمة داخلية أو بينها وبين الدولة والمجتمع . أحيانا تكون المراجعات كلية أو جزئية تقتصر على بعض الاجتهادات الفكرية أو السلوكيات بدون أن تؤثر على النهج او الخط العام للحركة . 
المحور الثالث
مراجعات حركة حماس حول إشكالية الوطني والديني

كتبنا منذ عقد من الزمان مطالبين بتوطين الايديولوجيات الدينية في فلسطين لتصبح جزءا من الحالة الوطنية ومتصالحة معها ، وتجنب افتعال صدام كما يجري في بعض البلدان العربية ما بين الوطنية والدين كما تفهمه وتوظفه جماعات الإسلام السياسي . 
الإسلام دين كل المسلمين وهو حالة دائمة لا يرتبط وجوده بحزب أو شخص وهو منزه عن الأهواء والأغراض الشخصية والفئوية الضيقة ، بينما جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي الأخرى أحزاب سياسية لها مصالح بشرية ودنيوية حتى وإن رفعت شعارات دينية أو اتكأت على الدين في تبرير سلوكياتها ، وقادتها ليسوا منزهين عن الخطأ ،كما أنها أحزاب معرضة للزوال في أية لحظة . لو عدنا للتاريخ السياسي الإسلامي لوجدنا آلاف الفرق والجماعات والأحزاب التي كانت تدعي بأنها تمثل الإسلام ، وكلها اندثرت ولم تترك إلا الخراب ومزيدا من فُرقة المسلمين ومن تاريخ دام أسود . لكن يبدو أن البعض في زمننا هذا لا يريد استلهام الدروس والعبر من التاريخ السياسي للمسلمين ويُفضل أن يجرب المجرب ويبدأ دائما من نقطة الصفر ، لأن توظيف الدين سياسيا بات صنعة من لا صنعة له وحرفة لا تحتاج لعقل أو علم بقدر ما تحتاج للديماغوجية والتلاعب بمشاعر العامة واستغلال فقرهم وجهلهم. 
لو نظرنا للعالم من حولنا اليوم سنلاحظ أنه ما كان لحزب التنمية والعدالة التركي أن ينجح لو لم يوطن أيديولوجيته الدينية ويشتغل ضمن حدود الدولة القومية العلمانية وبما يخدم المصلحة الوطنية التركية دون ارتباط بأي إطار خارجي ، نفس الأمر في إيران حيث الانسجام والتناغم ما بين القومية الفارسية والإسلام الشيعي ، بل تعمل الأولى على توظيف الخطاب الديني الإسلامي خارج إيران لمصلحة الدولة القومية الفارسية . وفي الحالتين يجري تكييف الدين بما يخدم المصلحة الوطنية وليس العكس ، والإسلام يسمح بذلك . وما هو قريب من ذلك ما يجري في ماليزيا واندونيسيا من تعايش وانسجام ما بين الدين والوطنية حيث لا يزعم مسلمو تلك البلدان بأنهم امتداد لأية جماعة سياسية دينية خارجية ، والتجربة تتكرر في المغرب بشكل متميز وواعد.
أدركت فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وتونس والمغرب خطورة المأزق الناتج عن كونها فروع لجماعة أممية ترفع شعار الخلافة وأيديولوجية سياسية شمولية عن الإسلام ، متجاهلة الحالة الوطنية كثقافة وهوية وروابط يؤسسها العيش المشترك في كيان سياسي متمايز عن غيره ،من جانب ، والحاجة للانخراط في الحياة السياسية الوطنية المحكومة بدستور وقوانين والمؤسسة على مفهوم المواطنة من جانب آخر .
المشكلة الرئيسية بالنسبة للإسلام السياسي في فلسطين وخصوصا مع حركة حماس لا تكمن في وجود اجتهادات فقهية تستدعي من حركة حماس مراجعتها ، نظرا لغياب علماء دين مجتهدين عند حركة حماس وبسبب تبعية جماعات الإسلام السياسي في فلسطين لمرجعية خارجية ، إن المشكلة تكمن في اصطناع مواجهة بين المشروع الوطني و (المشروع الإسلامي ) قبل قيام الدولة الوطنية المستقلة وفي خضم المواجهة مع إسرائيل التي تحتل كل فلسطين وتشكل النقيض الموضوعي للشعب والوطن .
انطلاقا من هذه الخصوصية كان على حركتي حماس والجهاد الإسلامي توطين ايديولوجيتهم الدينية لتصبحا جزءا من المشروع الوطني الفلسطيني ، نظرا لأن الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة تحرر وطني تحتاج لإعلاء راية الوطنية والتمسك بالهوية والثقافة الوطنية ، ولخطورة رهن القضية الوطنية بأي أجندة خارجية حتى وإن كانت ترفع شعارات دينية . 
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى اختلاف حركة الجهاد عن حركة حماس ، حيث إن حركة الجهاد وبالرغم من انتماء مؤسسيها الأوائل لحركة الإخوان المسلمين إلا أنها انفصلت منذ تأسيسها عام 1987 على يد عبد العزيز الشقاقي عن الإخوان وبالتالي عن حركة حماس ، ولها مواقف سياسية مغايرة عن حركة حماس ، كما انها تُشكل جماعة إسلامية وطنية حيث لا تُعلن انها امتداد لمرجعية أو جماعة خارجية ، ورفضها الدخول في منظمة التحرير ليس لأن المنظمة علمانية ، كما تبرر حركة حماس رفضها دخول منظمة التحرير ، بل بسبب النهج السياسي للمنظمة . 
توطين حركة حماس لفكرها وأيديولوجيتها مطلب ضروري إن رغبت بأن تكون جزءا من النظام السياسي الفلسطيني و تقود

>> التعليقات
لا يوجد تعليقات
>> شارك برأيك
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
الاكثر قراءة
الاكثر تعليق