التاريخ: الموافق الاربعاء 14/11/2018 الساعة: 18:25 بتوقيت القدس
السلطان سليمان القانوني
14/11/2012 [ 09:54 ]
تاريخ اضافة الخبر:
سليمان القانوني

بداية حياته

ولد سليمان في طرابزون الواقعة على سواحل البحر الأسود يوم 6 نوفمبر 1494 لوالدته عايشه حفصة سلطان أو حفصة حاتون سلطان التي ماتت في 1534. حينما بلغ سبع سنوات، ذهب ليدرس العلوم والتاريخ والأدب والفقه والتكتيكات العسكرية في مدارس الباب العالي في القسطنطينية. استصحب في طفولته إبراهيم وهو عبد سيعينه لاحقاً صدراً أعظماً في المستقبل. تولى سليمان الشاب وعمره سبعة عشر سنة منصب والي فيودوسيا ثم ساروخان (مانيسا) ولفترة قصيرة أدرنة. بعد وفاة والده سليم الأول (1465-1520)، دخل سليمان القسطنطنية وتولى الحكم كعاشر السلاطين العثمنيين. يقدم مبعوث جمهورية البندقية، بارتلوميو كونتاريني، أقدم وصف للسلطان بعد أسابيع من توليه الحكم فيقول:يبلغ من العمر الخمسة والعشرين، طويل ونحيف، وبشرته حساسة. عنقه طويل قليلا، وجهه رقيق ومعقوف الأنف. شارباه متدليان ولحيته قصيرة ومع ذلك له طلعة لطيفة مع بشرة تميل إلى الشحوبة. يقال أنه حكيم ومولع بالدراسة والتعلم وكل الرجال يأملون الخير من حكمه وله عمامة كبيرة للغاية. يعتقد بعض المؤرخين أن سليمان الشاب كان يكن التقدير للإسكندر الأكبر. حيث تأثر برؤية ألكسندر لبناء إمبراطورية عالمية من شأنها أن تشمل الشرق والغرب، وهذا خلق دافعا لحملاته العسكرية لاحقة في آسيا وأفريقيا، وكذلك في أوروبا.

توليه مقاليد السلطة

تولى السلطان سليمان القانوني بعد موت والده السلطان سليم الأول في 9 شوال 926هـ - 22 سبتمبر 1520م، وبدأ في مباشرة أمور الدولة، وتوجيه سياستها، وكان يستهل خطاباته بالآية الكريمة {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، والأعمال التي أنجزها السلطان في فترة حكمه كثيرة وذات شأن في حياة الدولة.

في الفترة الأولى من حكمه نجح في بسط هيبة الدولة والضرب على أيدي الخارجين عليها من الولاة الطامحين إلى الاستقلال، معتقدين أن صغر سن السلطان الذي كان في السادسة والعشرين من عمره فرصة سانحة لتحقيق أحلامهم، لكن فاجأتهم عزيمة السلطان القوية التي لا تلين، فقضى على تمرد "جان بردي الغزالي" في الشام، و"أحمد باشا" في مصر، و"قلندر جلبي" في منطقتي قونيه ومرعش الذي كان شيعيًا جمع حوله نحو ثلاثين ألفًا من الأتباع للثورة على الدولة.

الحلف مع فرنسا

كان العداء متبادلا بين ملك فرنسا فرنسوا الأول وشارل الخامس (أو شارلكان) ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة فكان شارل الخامس بموجب ذلك يحكم أجزاءا شاسعة من أوروبا بما فيها ألمانيا وهولاندا والنمسا والمجر وغيرها، ولأن الملك الفرنسي لم يكن يملك القوة الكافية لمنازلة غريمه ومنازعته على لقب الإمبراطور، حاول التقرب من الدولة العثمانية.

وحدث أن ذهب وفد فرنسي إلى سليمان القانوني يطلب منه مهاجمة بلاد المجر في سبيل تشتيت جيوش شارلكان وإضعافها، واكتفى السلطان بكتاب من طرفه يعد فيه بالمساعدة وكان يريد الاستفادة من هذه الفرصة من أجل تسديد ضرباته لمملكة النمسا وتشديد الخناق على دول أوروبا، ومما يجدر الإشارة إليه أن استعانة فرنسا بما لها من قوة وثقل كاثوليكي مسيحي في أوروبا آنذاك بالدولة العثمانية المسلمة يعطي المطلع فكرة عما وصل إليه العثمانيون من قوة وصيت وعالمية في ذلك الزمان.

لقد أثمر هذا الحلف بين الدولتين في إضعاف ممالك شارل الخامس والجمهوريات الإيطالية، فعلى الرغم أن الفرنسيين لم يستطيعوا الانتصار على الإسبان في الغرب إلا أن شارلكان خسر أراض عديدة من أوروبا الشرقية، كما قامت القوات البحرية العثمانية-الفرنسية بقيادة خير الدين بربروس باستعادة مدينة نيس وجزيرة كورسيكا لصالح الفرنسيين كما انتصرت الأساطيل العثمانية على البحرية الإسبانية والإيطالية في مواقع عديدة.

أراد الحلف الفرنسي العثماني غزو إيطاليا بسبب ثراء المدن الإيطالية وازدهار ثقافاتها بالإضافة إلى وجود مقر البابا قائد المسيحية في روما، وبالفعل توجه سليمان الأول بمئة ألف جندي لمهاجمة إيطاليا من الشرق، وهبط خير الدين بربروس من جهة الجنوب في ميناء أوترانة الإيطالي، كما تقدم الفرنسيون من جهة الغرب الإيطالي، وكان الهدف من هذا هو هجوم واحد وكبير من ثلاثة جهات، إلا أن توجس الملك الفرنسي من أن يتهم بالردة عن المسيحية من قبل العامة ورجال الدين (لتعاونه عسكريا مع دولة مسلمة) جعله يعلق عملياته العسكرية ويكتفي بمهادنة شارلكان، ولو أن الحملة العسكرية المشتركة تمت كما خطط لها لغدت إيطاليا بكاملها ولاية عثمانية.

ميادين القتال

تعددت ميادين القتال التي تحركت فيها الدولة العثمانية لبسط نفوذها في عهد سليمان فشملت أوروبا وآسيا وأفريقيا، فاستولى على بلجراد سنة 927هـ - 1521م وجزيرة رودس سنة 929هـ، وحاصر فيينا سنة 935هـ - 1529م لكنه لم يفلح في فتحها، وأعاد الكَرّة مرة أخرى ولم يكن نصيب تلك المحاولة بأفضل من الأولى. ضم إلى دولته أجزاء من المجر بما فيها عاصمتها بودابست، وجعلها ولاية عثمانية.

وفي إفريقيا، فتحت ليبيا والقسم الأعظم من تونس، وإريتريا، وجيبوتي والصومال،وأصبحت تلك البلاد ضمن نفوذ الدولة العثمانية.

فتح بلغراد

بعيد خلافة والده في السلطة، بدأ سليمان سلسلة من المواجهات العسكرية، ومن ضمنها إخماد ثورة دعمها حاكم دمشق في 1521. توجه سليمان بعد ذلك مع صدره الأعظم بيري محمد باشا إلى بلغراد وأعد العدة لغزو مملكة المجر ونجح في ما فشل فيه جده الأكبر محمد الثاني حيث كان المجريون الأعداء الوحيدين المتبقين بعد سقوط البيزنطيين والصرب والبلغار الذين يستطيعون ردعه من مواصلة فتوحاته في أوروبا. حاصر سليمان وجيشه بلغراد ودكها بالمدفعية في قصف شنه من جزيرة مجاورة على نهر الدانوب فلم يبق للرجال السبع مئة إلا الاستسلام في 1521.

سليمان الشاب

انتشر خبر فتح بلغراد كالنار في الهشيم، أحد أحصن قلاع المسيحيين، وانتشر معه الخوف عبر أوروبا. كما ذكر ذلك سفير الإمبراطورية الرومانية المقدسة : كان فتح بلغراد أصل عدة أحداث درامية ضربت المجر أبرزها موت الملك لويس الثاني واحتلال بودا وضم ترانسيلفانيا وتدمير مملكة مزدهرة وخوف البلدان المجاورة التي خافت مواجهة المصير نفسه".

فتح جزيرة رودس

أراد العثمانيون فتح جزيرة رودس لموقعها الاستراتيجي في البحر المتوسط ومنعا لأية أساطيل بحرية معادية من العسكرة فيها خلال أوقات الحروب، ولقد استغل السلطان سليمان الأوضاع السياسية التي كانت تمر فيها أوروبا آنذاك من صراعات بين ملوكها وأساقفتها وأمرائها.

عندما أبى رهبان الجزيرة تسليمها إلى العثمانيين، دكت المدفعية العثمانية جدران حصنها المنيع والذي كان يعد أحد أمنع الحصون في العالم في ذلك الحين، ويقال أن القوة البرية العثمانية حفرت ما يقارب 50 سردابا تحت الحصن، وشنوا هجوما على المدينة من تحت الأرض، ولكن القوة المدافعة تفانت في الدفاع عن الجزيرة و ردت هذا الهجوم المفاجئ، كما دافعوا بكل قوة عن حصن جزيرتهم، ويروي أن نساء رودس كانت تعاون رجالها ورهبانها في الدفاع عن أسوار الجزيرة، ولما انقطعت الحلول من أمام رئيس الرهبان مع نفاذ مؤنته وذخيرته آثر التسليم في سنة 929هـ.

بعد دخول الخليفة العثماني رودس ظافرا، اختار كبار القساوسة وفرسانهم مغادرة الجزيرة، فاتجهوا إلى مالطا وأقاموا فيها(وعرفوا بـفرسان القديس يوحنا الأورشليمي أو فرسان مالطا)، وحاصرتها البحرية العثمانية في نهاية عهد القانوني ولكن دون أن تفلح في فتح الجزيرة بسبب دخول الحصار فترة الشتاء.

فتح بلاد المجر والتصادم مع النمسا

تحولت طموحات السلطان القانوني إلى بلاد المجر لاسيما بعد تدهور العلاقات معها المراسلات مع التي دارت مع الفرنسيين والذين تقدموا بطلب لدى السلطان لكي يهاجم المجر لإضعاف ملك شارلكان ورفع شيء من الضغط عن الفرنسيين في الغرب.

حشد سليمان الأول الجيوش وسار بها نحو بلاد المجر عبر بلغراد، وبعد عدة فتوحات التقى بالجيش المجري في منطقة موهاكس وجرت معركة موهاكس الفاصلة سنة 932هـ - 1526م التي انتهت بانتصار العثمانيين وتسلم سلطانهم مفاتيح عاصمة المجر بود (و تعني البلد العالي)، ويجدر الإشارة هنا أن بودابست كانت عبارة عن مدينتين منفصلتين آنذاك وهما: بود وبست. استيقضت المقاومة المجرية لكنها فشلت وأصبح العثمانيون القوة المسيطرة في أوروبا الشرقية. وعندما رأى السلطان جثة لويس الهامدة عبر سليمان عن أسفه قائلا: قدمت بالفعل مسلحا إليه ولكن لم تكن نيتي أن يقتل هكذا وهو لم يذق حلاوة الحياة والملك بعد.

عند عودة سليمان الأول من بلاد المجر اصطحب السلطان معه الكثير من نفائس البلاد وخاصة كتب كنيسة ماتياس كورفن، وهي كنيسة اعتاد الأوروبيون على تسميتها بكنيسة التتويج لأن الملوك الأوروبية كانت تتوج فيها، وحول المسلمون تلك الكنيسة إلى مسجد وأضيف إليهاالنقوش العربية، وأعيد المسجد كنيسة عندما خرج العثمانيون من هنغاريا وبقيت النقوش العربية حتى يومنا هذا.

في عهد شارل الخامس وأخيه فيردناند، أرشدوق النمسا، أعاد الهابسبورغ احتلالهم لهنغاريا. كرد فعل لذلك، عاد سليمان مرة أخرى عبر وادي الدانوب وأعاد غزو بودا وشن في الخريف الذي تلاه حصار فيينا. كان ذلك أكثر عمل عثماني طموحا في أوروبا وأقصاه امتداد نحو الغرب ولكن انتصر النمساويون ب 20000 رجلا بذلك أصبحت الأراض الهنغارية فيما بعد ساحة حرب بين النمساويين والعثمانين، وكانت الحرب سجالا بين الطرفين لا تلبث أن تنطفئ حتى تشتعل من جديد، ومالت كفة الانتصار للعساكر العثمانية مما جعل النمسا تدفع الجزية للأستانة في معظم الأوقات، وحاصر السلطان فيينا مرة ثانية ولم يتمكن من فتحها في 1532 فانسحب بجيوشه، وذلك لسوء الأحوال الجوية التي كانت تمنع العثمانيين من نقل معدات حصارهم الثقيلة وبعد المسافة عن حاضرة الخلافة وامتداد خطوط الإمداد الطويلة وراء الجيش. بعد ذلك استمر التنافس العثماني-الهاسبورغي حتى مطلع القرن العشرين.

بحلول أربعينيات القرن السادس عشر، قدم تجدد الصراع في هنغاريا لسليمان فرصة الثأر لهزيمته في فيينا. اقترح بعض النبلاء المجريون أن يتقرب فرندناند الأول (1519-1564)، حاكم النمسا المجاورة، إلى عائلة لويس الثاني بالزواج ليكون ملك المجر دون ذكر أن اتفاقات سابقة تسمح للهاسبورغ بالاستيلاء على العرش المجري إذا لم يكن هناك وريث للويس. في الطرف الآخر، التف نبلاء مجريون حول جون زابوليا المدعوم من سليمان والذي لم تعترف به القوى المسيحية بأوروبا. في 1541 التقى الهابسبورغ بالعثمانيين في صراع آخر، وحاولو فرض حصار على بودا. بعد صد جهودهم، ووقوع قلاع نمساوية أخرى في يد العثمانيين اضطر فرديناند وأخوه شارل الخامس إلى توقيع معاهدة مذلة مع سليمان مدتها خمس سنوات. تخلى فرديناند عن أطماعه في مملكة المجر وأجبر على دفع فدية سنوية إلى السلطان لقاء إراض مجرية استمر في السيطرة عليها. وفي حركة أكثر رمزية نصت المعاهدة على أن شارل الخامس ليس إمبراطور بل مجرد ملك إسبانيا، مما جعل سليمان يعتبر نفسه القيصر الحقيقي. بعد إذلال أعدائه الأوروبيين أمن سليمان للإمبراطورية العثمانية دورا رياديا في السياسة الأوروبية.

الصدام مع الدولة الصفوية

بعد ثتبيث حدوده في أوروبا اتجه سليمان نحو آسيا حيث قام حملات كبرى ضد الدولة الصفوية لتندلع بذلك الحرب العثمانية الصفوية (1532–1555)، ويرجع السبب في ذلك لحدثين بارزين، الأول هو مقتل والي بغداد الموالي لسليمان على يد الشاه طهماسب وتعويضه بموالي له والثاني تحالف والي بدليس مع الصفويين، ابتدأت من سنة 941هـ - 1533م، حيث نجحت الحملة الأولى في ضم تبريز وبدليس إلى سيطرة الدولة العثمانية دون أي مقاومة، حيث ساق الوزير الأول إبراهيم باشا الجيوش وضم العديد من الحصون والقلاع في طريقه كقلعتي وان وأريوان، وعمل الوزير الأول على بناء قلعة في تبريز وترك فيها من الحامية المنظمة ما يكفي لحفظ الأمن العمومي في 1534.

وفي شهر أيلول (سبتمبر) من نفس السنة وصل سليمان الأول إلى تبريز واستأنف العمليات الحربية بنفسه ضد الشاه طهماسب الذي كان يتراجع بجيشه عوض المواجهة لكن سوء الطرق وكثرة الأوحال وسوء الأحوال الجوية جعلت نقل المدفعية العثمانية الضخمة أمرا محالا، فقام الخليفة بتحويل الوجهة نحو بغداد و بالفعل دخلها بعد هروب حاميتها الصفوية في 1535، وقام السلطان عند دخوله بزيارة قبور الأئمة العظام المتواجدة في العراق مما أكد أحقية سليمان في قيادة العالم الإسلامي وحمل شعلة الخلافة من العباسيين.

قام سليمان بحملة أخرى لهزم الشاه في 1548-1549. كالحملات السابقة تفادى طمهاسب المواجهة المباشرة مع الجيش العثماني واختار التراجع فأحرق أرمينيا (منطقة بإيران) فلم يجد العثمانيون مكانا يقيهم من شتاء القوقاز القاسي. أنهى سليمان حملته بمكاسب عثمانية مؤقتة في تبريز وأرمينيا وموقع دائم في محافظة فان وقلاع في جورجيا. في 1553 بدأ سليمان حملته الثالثة والأخيرة ضد الشاه. بعد خسارة أرضروم في وقت سابق لابن الشاه، استهل سليمان الحملة باسترجاعها وعبور الفرات العلوي وصولا إلى بلاد فارس. أكمل جيش الشاه خطته التي ترمي التراجع وعدم الاشتباك مع العثمانيين مما أدى إلى حالة جمود فلم يكن هناك لا غالب ولا مغلوب. في سنة 962هـ - 1555م أجبر السلطان سليمان الشاه طهماسب على الصلح وأحقية العثمانيين في كل من أريوان وتبريز وشرق الأناضول وأمن بذلك بغداد وجنوب بلاد الرافدين ومصبات الفرات ودجلة وأخذ أجزاء من الخليج العربي ووعد الشاه أيضا بوقف هجوماته في الأراضي العثمانية.

محاربة البرتغاليين

مدفع سليمان في عدن، وجده محمد بن حمزة في 1530-31 بعد غزو عثماني في الهند. استولى عليه بعد اجتياح عدن في 1839 الكابتن سميث من سفينة فولاج. يوجد الآن في برج لندن.

أرسل حاكم مدينة أحمد آباد وما حولها رسالة استغاثة إلى الخلافة العثمانية طالبا المساعدة ضد البرتغاليين الذين اجتاحوا بلاده وتمكنوا من السيطرة على أهم ثغورها، فأرسل السلطان خطابا إلى سليمان باشا والي مصر يأمره ببناء عمارة بحرية كبيرة بأسرع ما يمكن وبالفعل قام الوالي ببناء 70 سفينة حربية. اتجه العثمانيون مواجهين نفوذ البرتغاليين في المحيط الهندي والخليج العربي، أولا نحو عدن واحتلوها في 1538 لتشكل قادة لهجوماتهم ضد الممتلكات البرتغالية في الهند. أخفقوا في إسقاط موقع ديو في سبتمبر 1538 لكنهم عادوا إلى عدن وحصنوها بمائة قطعة مدفعية. استولى أويس باشا من العدن على اليمن ابتداءا من قلعة تعز سنة 953هـ 1546م، ودخلت عُمان والأحساء وقطر تحت نفوذ الدولة العثمانية. بعد إحكام السيطرة على البحر الأحمر بدأ سليمان هجومات على الطرق التجارية للسفن البرتغالية المارة نحو الهند وبدأ حركة تجارية مهمة القرن السادس عشر مع الهند. تلقى سليمان في 1564 استغاثة من بعتثه في آتشيه (حاليا في إندونيسيا) تستدعي تدخلا عثمانيا ضد البرتغال. استجاب السلطان وقام بإرسال بعثة العثمانيين إلى آتشيه والتي قدمت لهم الدعم العسكري اللازم للرد.

أدت هذه السياسية إلى الحد من نفوذ البرتغاليين في مياه الشرق الأوسط، كما أغاثت البحرية العثمانية الأقاليم المستغيثة في الهند وآتشيه واستطاع سليمان باشا المذكور أن يسيطر على كافة الحصون التي بناها البرتغاليون.

بعد تثبيت أقدامه على أراضي الإمبراطورية، استقبل سليمان أنباء على أن قائد أساطيل شارل الخامس، أندريا دوريا، احتل حصون كوروني في موريا (حاليا بيلوبونيز). أرق التواجد الإسباني في شرق البحر المتوسط بال سليمان الذي رأى منافسة ضمنية للسيطرة العثمانية في المنطقة. لتأكيد القوة البحرية للعثمانيين في المتوسط، كلف سليمان قائدا بحريا خاصا في شخص خير الدين بربروس المعروف لدى الأوروبيين باسم بارباروسا. عند توليه منصبه، قام بارباروسا بإعادة بناء الأسطول العثماني ليبلغ عدد سفنه مجموع سفن أساطيل الدول المتوسطية مجتمعة. في 1535 انتصر شارل الخامس على العثمانيين في تونس، ومع الحرب ضد جمهورية البندقية في العام التالي قبل سليمان اقتراحات فرانسوا بالتحالف. في 1538 هزم بارباروس الأسطول الإسباني في معركة بروزة وأمن شرق المتوسط للترك لأكثر من 33 سنة حتى الهزيمة في معركة ليبانتو.

ضم سليمان أراضي واسعة شرق المغرب. أصبحت الدول البربرية وهي طرابلس وتونس والجزائر ولايات ذاتية الحكم في الإمبراطورية وشكلت طليعة جيش سليمان في صراعه مع شارل الخامس الذي حاول إخراج العثمانيين منها وفشل في 1541. تتابعت عمليات الجهاد البحري الذي تزعمه هذه الدول في إطار الحرب ضد إسبانيا. لفترة قصيرة أمنت التوسعات البحرية العثمانية سيطرة لها في المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي حتى 1554 حين هزمت الإمبراطورية البرتغالية السفن العثمانية. أخذ البرتغاليون هرمز (في مضيق هرمز) في 1515 وستستمر منافستهم لسليمان للسيطرة على عدن (حاليا في اليمن).

في 1542 بسبب مواجهتهم لعدو واحد هو الهابسبورغ سعى فرانسوا لتجديد التحالف الفرنسي العثماني وباستجابة لذلك بعث السلطان مائة سفينة تحت قيادة باربروس لمساعدة فرنسا في غرب المتوسط. ضرب باربروس شواطئ صقلية ونابولي قبل وصوله إلى فرنسا حيث قدم تولون كمقر للبحرية العثمانية. في إطار الحملة هاجم وحاصر باربروس نيس في 1543. بحلول 1544، انتهى التحالف الفرنسي العثماني مؤقتا بسبب السلام بين فرنسوا وشارل الخامس.

في مكان آخر في المتوسط، أعاد فرسان القديس يوحنا تشكيل أنفسهم تحت اسم فرسان مالطة في 1530. أثارت أفعالهم ضد سفن المسلمين غضب العثمانيين الذين شكلوا جيشا عظيما لطرد الفرسان من مالطة. غزا العثمانيون مالطة في 1565 وبدأوا حصار مالطة الكبير الذي بدأ في 18 مايو واستمر حتى 8 سبتمبر وصوره الرسام ماتيو بيريز داليتشيو في ردهة سانت ميشيل وسانت جورج. في البداية بدت المعارك كإعادة للمعارك في رودوس حيث دمرت عدة مدن في مالطة وقتل نصف الفرسان أثناء القتال لكن سرعان ما وصلت قوة إمداد من إسبانيا نتج عنها 30000 قتيل في صفوف العثمانيين.

تطوير البحرية العثمانية

كانت البحرية العثمانية قد نمت نموًا كبيرًا منذ أيام السلطان بايزيد الثاني، وأصبحت مسؤولة عن حماية مياه البحار التي تطل عليها الدولة، وفي عهد سليمان ازدادت قوة البحرية على نحو لم تشهده من قبل بانضمام "خير الدين برباروسا"، وكان يقود أسطولاً قويًا يهاجم به سواحل إسبانيا والسفن الصليبية في البحر المتوسط، وبعد انضمامه إلى الدولة منحه السلطان لقب "قبودان".

وقد قام خير الدين -بفضل المساعدات التي كان يتلقاها من السلطان سليمان القانوني- بضرب السواحل الإسبانية، وإنقاذ آلاف من المسلمين في إسبانيا، فقام في سنة 935هـ - 1529م بسبع رحلات إلى السواحل الإسبانية لنقل سبعين ألف مسلم من قبضة الحكومة الإسبانية.

وقد وكل السلطان إلى خير الدين قيادة الحملات البحرية في غرب البحر المتوسط، وحاولت إسبانيا أن تقضي على أسطوله، لكنها تخفق في كل مرة وتتكبد خسائر فادحة، ولعل أقسى هزائمها كانت معركة بروزة سنة 945هـ - 1538م[42].

وقد انضم أسطول خير الدين إلى الأسطول الفرنسي في حربه مع الهابسيورج، وساعد الفرنسيين في استعادة مدينة نيس 950هـ - 1543م بالإضافة إلى جزيرة كورسيكا.

واتسع نطاق عمل الأسطول العثماني فشمل البحر الأحمر، حيث استولى العثمانيون على سواكن ومصوع، وأخرج البرتغاليين من مياه البحر الأحمر، واستولى العثمانيون على سواحل الحبشة؛ مما أدى إلى انتعاش حركة التجارة بين آسيا والغرب عن طريق البلاد الإسلامية.

مكائد زوجته روكسلان وابنها

أرادت إحدى زوجات السلطان المعروفة باسم روكسلان الروسية في المراجع الغربية أو خرم (بتشديد وكسر الراء) في المراجع التركية تمهيد الطريق لابنها سليم ليتولى ميراث أبيه فيما بعد، فاشتغلت بالدسائس وساعدها الصدر الأعظم رستم باشا على ذلك، فانتهز الأخير فرصة سفر ابن السلطان مصطفى في إحدى الحملات العسكرية إلى بلاد فارس وكاتب سليمان الأول يخبره أن ابنه يريد أن يثور عليه كما ثار أبوه(سليم الأول) على جده بايزيد الثاني، فانطلت الحيلة على الخليفة الذي سافر من فوره إلى معسكر الجيش في بلاد فارس متظاهرا بقيادة الجيش بنفسه، واستدعى ابنه إلى خيمته وقتله فور دخوله إياها، وكان للسلطان سليمان ابن آخر يدعى جهانكير توفي أيضا بعد مقتل أخيه مصطفى بقليل من شدة الحزن.

وبعد وفاة روكسلان الروسية، قام ابنها سليم بالكيد لبايزيد ابن السلطان سليمان المتبقي وأخوه من زوجة ثانية، وتمكن من استئجار مربي بايزيد ليسرب له معلومات كاذبة مفادها أن والده الخليفة كان ينوي استخلاف سليم الأصغر سنا على ملك آل عثمان، وجرت مراسلات بين الأخوين تمكن فيها سليم من إثارة غضب بايزيد، وقام الأخير بمس كرامة أبيهما ببعض العبارات في إحدى المراسلات، فأرسل سليم الكتاب إلى الخليفة سليمان الذي غضب غضبا شديدا وكتب إلى بايزيد يوبخه ويأمره بالانتقال من إمارته في قونية إلى مدينة أماسيا، فخشي بايزيد غدر أبيه فجمع قرابة عشرين ألفا من الجنود وآثر التمرد على أبيه[51]، إلا أن نار التمرد أخمدت على يدي جيش الوزير صقللي محمد باشا، وإلتجأ بايزيد مع أبنائه إلى جوار طهماسب شاه

>> التعليقات
لا يوجد تعليقات
>> شارك برأيك
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*